عندما يحيا الإنسان محنة وحيد القرن

13281808_1141125442576464_1361326644_n

    بقلم أحمد كفافى

دخول الإنسان القرن الحادى والعشرين أصبح فعلا معضلة تفوق كل المعضلات، فكيف يستطيع التعامل مع الحاضر؟ وما هى نظرته للمستقبل؟ القرن الحادى والعشرون هو قرن العولمة وطغيان الحياة المادية وتسلط الفردية على قيم المجتمع وروح الجماعة. ربما عالجت بعض الأعمال تلك القضايا بشكل ما أوآخر، لكن طرح رواية ( وحيد القرن) للأستاذ أحمد عادل القضابى، والتى صدرت فى شهر أبريل الماضى، لهذه القضية كان طرحا فلسفيا فريدا من نوعه على الرغم من بساطة أحداث الرواية وأسلوبها، فهى فى رائى واحة من الأعمال الفلسفية التى أضحت تتخذ مكانا لها فى حركة الأدب المعاصر. كنت أقرأها وفى ذهنى أعمال جون بول سارتر وأندرية جيد التى تغرقك فى أحداث يومية عادية لتلملمها و تخرج منها بنظرة فلسفية متعمقة للواقع والحياة، فنحن إذ نقرأ ( وحيد القرن) ننتقل بين عالمين متباينين:عالم المدنية الحديثة بماديته وصراعاته وتعقداته، وعالم الغابة حيث يعيش حيوان وحيد القرن فى قطعان كبيرة وفق سلوكيات فطرية منمطة لا تتبدل، و فى هذا التغير لمسرح الأحداث ما بين المدينة والغابة، تصبح المقارنة غنية عن التعريف، فالحياة المادية قد نمطت سلوك البشر فأصبحوا يعيشون، كوحيد القرن، فى قطعان لها أعرافها و أنماطها ومن يشذ عن القطيع يصبح وحيدا منبوذا حائرا، تماما كــ (وحيد) بطل الرواية.

يوميات وحيد التى تبدأ مع ينايرعام 2000 ما هى إلا كناية عن إشراقة الألفية الثالثة وبداية القرن الحادى والعشرين،أول قرن فى الألفية الجديدة. نعم حدث احتفت به الإنسانية، لكن من المفارقة أن نستشعر بحلوله غربة الإنسان ووحدته التى عبر عنها القضابى بتغييره السريع للأحداث فى الفصل الأول بين قطعان وحيدى القرن فى الغابة وبيئة وحيد، الطالب بجامعة بنى سويف، الذى أصبح يشعر بوحشة ووحدة شديدين بعد رحيل أبويه عن الدنيا وزواج أخته التى أنتقلت لتعيش فى الإسكندرية لتتركه يحيا وحيدا فى منزل الأسرة. منذ إطلالة الفصل الأول لا نرى أن المقارنة فيها أى نوع من الامتهان لعالم الغابة الفطرى، فالمدنية التى أصابت قيم الإنسان الفطرية بالهزال هى نفسها التى زعزعت فطرية عالم الحيوان، فوحيد القرن يسقط فريسة للصياد الأوربى الذى أوقعه فى شباكه لصالح حديقة حيوان الجيزة…وقع دون أية مقاومة تذكر…”انطلقت الطلقة المخدرة نحو وحيد القرن المهزوم فانطلق إلى الشباك باستسلام.” لماذا أستسلم؟ لأنه لم يعد مؤهلا لقيادة القطيع فى بيئة قانونها البقاء للأصلح، فآثر الخضوع على الموت، جاءت تلك الهزيمة بعد أن راوده الحلم أنه أصبح إنسانا!! كان عليه أن يؤثر الموت على الخضوع و هو ناموس الغابة ولكنه فضل أن يعيش بعيدا عن غابته. فى تلك اللحظة يسجل وحيد فى يومياته كاتبا: “استقبل القرن الجديد، أنا أشعر بدوار شديد و اضطراب، لا أعرف لماذا؟”

 منذ اللحظة الأولى يصبح التشابه بين وحيد القرن فى الأسر ووحيد فى عزلته واضحا جليا، كل أصبح أسيرا بسبب فشله فى معايشة مجتمعه. نرى فى الفصل الثانى أن أزمة وحيد هى نفسها محنة الحيوان الضخم  فى الأسر،فرحيل أسرة وحيد يدفعه إلى عالم مجهول، يهفو إلى الماضى الجميل حين كان يعيش فى كنف أسرته تماما مثلما يقتل وحيد القرن الأسير الحنين للعودة إلى الحياة البرية، فوحيد منذ بداية الألفية يخرج من عش الأسرة إلى خضم الحياة حيث قطعان البشر تسير بلا قانون ولا ضوابط، وحيد يخرج من المحدودية التى عرفها فى عالم أبويه الصغير ليبحث عن الحب بين الفتيات اللائى تعرف عليهن تعارفا خاطفا، لكن لا توجد من بينهن من ترضى حاجته الماسة للحب، الحياة فى عالم ينعدم فيه الحب لا يختلف كثيرا عن حياة الأسر التى يحياها وحيد القرن فى حديقة الحيوان بعد أن لفظته بيئته، تلك الحاجة هى التى تدفع وحيد إلى نوع من بحث مضن لا ينتهى إلا فى الصفحات الأخيرة من الرواية.

  الواقع الملموس للأحداث يبدأ عندما يتعرف وحيد عن طريق صديقه عطوة على كل من سها وإلهام وهما طالبتان بجامعة المنيا.علاقته بهما تشكل لب مقاطع الرواية التى تصور محنته فى البحث عن الحب، وفى هذا اللب تكمن الحيرة فى محاولة فهم الخيط الرفيع الذى يفصل بين الشهوة والعاطفة. فتواصله مع إلهام تصدرته ( الصخور العالية) التى رمز بها لعلاقته الجنسية معها مقابل بعده عن تسلق تلك الصخور مع سها وذلك بعد وعده لها بالزواج. وعند تلك النقطة نرى الحيوانية تطغى على سلوك الإنسان فى مدنيته ليصبح منمطا تنميط الحيوانات فى الغابة، لكن الحيوان فى كل الأحوال أسمى لأنه لا يملك فكر الإنسان،فالإنسان مع تدبره وعقله قد يعى كم النفاق والتناقض فى سلوكياته لكنه يصرعليهما لا لسبب أكثر من أن ( الكل) أو القطيع يتفق عليها. فى اكتسابه تلك الخاصية الحيوانية التى تسلبه استخدام عقله، فقد الإنسان خصوصيته، أصبح كذكر وحيد القرن الذى يتلقف الأنثى فيشبع شهوته منها ويستدير ليبحث عن أخرى. يعبر وحيد عن تلك الهمجية بقوله: “أنا لا أريد معاشرة الموتى أوحيوانات أدمية…الجنس ليس جسدا تنتهك حرمته فقط، إنه مشاعر.”

 على الرغم من شبق إلهام وتعففه تجاه سها فهو لا يشعر بأى حب يجمعه بأية واحدة منهما، لكن قانون القطيع ينص على أن الرجل ملزم بأن يتزوج من عفت نفسها حتى وأن كانت العفة ليست من خصالها، لكن كان المعادل الموضوعى ظهور نجلاء على مسرح الأحداث و هى جارة له تهوى التمثيل و تشترك فى المسرحيات التى يقدمها مركز ثقافة بنى سويف، وفى بعدها وقربها  الغير مبررين يسعى القضابى أن يرسم الصورة التى يجب أن تكون عليها أى علاقة حب نقية، و التى آثر التعبير عنها من خلال رواية يحاول وحيد أن يكتبها فتظهر أجزاء منها عبر النص لترسم صورة سعاد الممثلة البوهيمية التى استلهمها من شخصية نجلاء. سعاد ممثلة متحررة تتنوع علاقاتها العاطفية فى محاولة منها لفهم مكنون الرابطة الحقيقة بين المرأة والرجل، ولكن مع تقدم الأحداث يتضح أن سعاد ليست إلا ظل لشخصية وحيد نفسه وأحد أبعاد سعيه اللاواعى للبحث عن المثالية، لكنه لا يمتلك بوهمية سعاد ولامبالاتها فى خوض التجارب العاطفية، يستعرض علاقاته بنهاد وسويداء وهالة وسها وإلهام وحنان، “إنه فى حاجة ماسة للاندفاع مع أية أنثى حتى يتمكن من تجاوز هذ السجن الذى تصنعه تلك الجدران وتحشره بها…إنه ليس بإنسان.. إنه ذلك الحيوان ذى القرن والذى اكتشفه أمام المرآة فى داخله، لكن اكتشافه هذا أصبح يعذبه…يجب أن أعطى نفسى لأية أخرى، أعطيها وحيد القرن الحالم بأنه إنسان.”

هذا الإحساس بعدم قدرته على الاندماج فى هذا القطيع ربما يعزى لكونه فنانا، فهو يبدأ بوضع أول لبنات لمشاعره تجاه نجلاء  من خلال مسرحية قصيرة يحدد فيها ماهية التواصل بين الجنسين، لكن هذا التواصل معها لا يزال فى بدايته فلا يهزم مشاعر الرتابة والملل داخله و لا يبشر بانفراج الأزمة التى تبلغ ذروتها حينما يذهب إلى حديقة حيوانات الجيزة فيقترب من السور الحديدى الذى يقبع ورائه وحيد القرن المهزوم الذى يثور حينما يرى فى وجه وحيد صورة قائد القطيع الذى هزمه فى الغابة، يحاول أن يندفع تجاه وحيد مصوبا قرنه إليه، لكن وحيد يقف فى ثبات متحديا هياج الحيوان وكأنه يبعث برسالة إليه: كلانا مهزومان و لا سبيل للخروج من هذه الأزمة إلا بالتحدى و الثبات، الحيوان فى محنة لأنه خرج من غابته بعد أن فقد عليائه و كرامته، كذلك وحيد، فهو غريب وسط قيم القرن الجديد الذى تدنى بالناس وأنزلهم لحالة من الحيوانية لم يستطع أن يواكب تأثيراتها، حالة فقد الإنسان فيها خصوصيته و إبداع عقله، ابعدوه عن القفص و هو “يبكى بكاءا مريرا”.

لكن النهاية تأتى مفاجئة، فإذا كان هناك أمل فى نجلاء، فلماذا يمر بهذا الإنهيار الذى يلزمه الفراش عدة أسابيع؟ وبعد كل علاقاته النسائية المتعددة التى لا تبدو مقنعة بسبب عدم توائمها مع مرحلته العمرية، لم نفهم لماذا كانت نجلاء مختلفة؟ أهذا لإنه أحبها؟ أم لأنها كانت مثالا للعفة؟ وما الذى جعلها تنحرف عن قيم القطيع؟ أخذنا القضابى لذروة الأزمة ولكنه أنهاها بجرة قلم! تشابكت خيوط بحثه عن الحب وبقى خيط نجلاء واهيا، ومن المفارقات أن يكون هذا الخيط المفتاح الحقيقى للخروج من الأزمة!!

محنة البطل وحيد هى فعلا محنة القرن… طرحها الرواى ولكنه لم يخرج منها خروجا مقنعا لانه  فى رائى طرح خروجا جاء به من معطيات عصر ولى وفات.

Advertisements

Posted on 27 مايو, 2016, in Sin categoría, نقد وتحليل الكتاب and tagged , , , . Bookmark the permalink. أضف تعليق.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: