ماذا بعد ظهور الرواية الرقمية التفاعلية؟

ظهرت الرواية الرقمية التفاعلية منذ بداية الألفية الثالثة لتكسرالتقاليد الكلاسيكية لكتابة هذا النوع الأدبى وتثير الجدل حول مستقبله. ترى؟ ما هو مستقبل الرواية فى ظل ازدهار تكنولوجيا المعلومات؟ فى حوارنا معه يحاول د.محمد هندى أن يجيب عن هذا السؤال

 بقلم أحمد كفافى 

14269878_1212253638796977_150572378_n

د.محمد هندى

ظلت تكنولوجيا المعلومات منذ ظهورها متمثلة فى شاشة الحاسوب والشبكة العنكبوتية والقنوات الفضائية محط اهتمام الإعلاميين وأصحاب الأعمال وغيرهم من العاملين فى المجالات المختلفة التى تغيرت تغييرا جذريا باعتمادها على تلك التكنولوجيا. لكن بقى تأثيرها على مجالى الثقافة والتعليم وغيرهما من المجالات النظرية الأخرى فى المنطقة العربية غير ملحوظ  لسنوات عديدة. لكن كان لابد أن يظهر مثل هذا التأثير والملايين من شبابنا عاكفون على استخدام الإنترنت فى العديد من ضروب الحياة.  

راحت الشبكة العنكبوتية تقتحم مجال الأدب وذلك عندما بدأت التكنولوجيا الرقمية تغزو تقنيات السرد فى الرواية والقصة القصيرة والشعر لتتمخض عن تيار أدبى وليد طرحه بعض النقاد تحت مسمى ( الأدب الرقمى التفاعلى). 

 والواقع أن هناك سببين لتأخر ظهورهذا التيار: أولهما أن التكنولوجيا الجديدة لم تأت فى صورة مكتملة منذ ظهورها، بل تمثلت فى بادئ الأمر فى صورة رسائل إلكترونية ( إيميلات) ثم جاء ( التشات) الجماعى وتبعه الخاص على مواقع مثل ( الياهو) و ( الهوت ميل) إلى أن ظهرت مواقع التواصل الاجتماعى  مثل ( الفيس بوك) و ( التويتر) و ( اليوتيوب). ومع كل تطور جديد كان هناك رد فعل جاء فى صورة أعمال قليلة غير ملحوظة، وظل الأمر على هذ الحال إلى أن تراكمت الأعمال وأصبحت ظاهرة فجائية.أما الأمر الثانى، كما سبق أن ذكرنا ،هو عدم مبادرة المتخصصين فى كل مجال النقد بوجه عام بالتعرف على ماهية وسائل الاتصال الرقمى، فإذا كانوا لا يعرفونها ولا يعترف بعضهم بجديتها فكيف نتوقع منهم النظر بعين الاعتبار إلى تأثيرها على الأدب!! 

والواقع أن عدم الاعتراف بها جاء من قبل بعض النقاد فى صورة رفض، لكن صدور العمل تلو الآخر من الروايات والقصص القصيرة التى وظفت الإنترنت فى تقنيات السرد كان بمثابة الإنذار،إنذار بأن هذا الرفض أصبح فى غير محله على الإطلاق. ومن هذا المنطلق إلتقينا الدكتور محمد هندى صاحب أول دراسة تتناول هذا التيار بعد أن اكتملت صورته الأولى. هندى، مدرس الأدب الحديث بكلية الآداب جامعة سوهاج، نال بدراسته هذه  درجة الدكتوراة بتقدير ممتاز وذلك فى أواخر عام ،2015 وهو لا يزال يواصل البحث بشغف دؤوب فى هذا المجال وتطوراته.

 

عندما شرعت فى اختيار الرسالة هل كان هناك موضوع غير الرواية الرقمية التفاعلية؟

عادتي كانت كعادة الباحثين بعد الانتهاء من مرحلة الماجستير، فكرتُ في موضوعات أخرى غير مطروقة، وكان من بين إرشادات المشرفين أن أتناول ظاهرة جديدة يمكن أن تشكل رؤية نقدية  تمثل إضافة وقيمة بحثية مثل الحديث عن مظاهر التجريب في الرواية العربية ، والظواهر الفنية في سرد الشباب، وأثر الإنترنت في الرواية على سبيل المثال. 

 ثم كيف وقع اختيارك عليه رغم أن تيار الرواية الرقمية التفاعلية لم يكن حتى إلى الآن تيارا مكتملا…أى أنه ما يزال فى طور النمو؟

كما أشرت سابقا هناك موضوعات عدة طرحت للدراسة، لكن كان موضوع أثر الإنترنت في الرواية هو أكثر الموضوعات طرحا، وأصبح بالنسبة لي مغامرة من نوع خاص، ولذلك بدأت البحث أولا في رصد العلاقة ورقيا، ثم تطورت إلى بحثها على المستوى الرقمي. 

هل قرأت الروايات الرقمية التفاعلية مترجمة وانت تقرأ الروايات العربية من هذا النوع؟ ما أهم هذه الروايات؟

حقيقة لم أتعمق فيها كثيرا، بل تصفحت بعضها من خلال الإنترنت لكني قرأت ما كتب عن الأعمال الرائدة في هذا المجال، مثل إشارات “سعيد يقطين” و”فاطمة البريكي”، عن نص “الظهيرة” لـ” مايكل جويس”، أما عن الروايات الرقمية التفاعلية العربية، فدرست غالبية النصوص العربية في هذا المجال، مثل “قصة ربيع مخيفة للمصري” لأحمد خالد توفيق، و”صقيع” للأردني محمد سناجلة، و”على بُعْد مليمتر واحد فقط”  للمغربي عبد الواحد أستيتو.   

عندما قررت التركيز على هذا الموضوع ما الصعوبات التى واجهتك؟

هناك مجموعة كبيرة من الصعوبات التي واجهتني، لعل أهمهما قلة المراجع النقدية التي يمكن الرجوع إليها في هذا المضمار، كذلك استغراب الكثيرين للموضوع، بل ورفضه في كثير من الأحيان، وخاصة أن ثقافتنا العربية لم تتطور في علاقتها مع الإنترنت مما شكَّل تحديا واضحا أمام الدراسة. 

 ما هى الروايات التى ركزت عليها فى بداية بحثك…أقصد الرواية الرقمية الورقية؟

كانت هذه الروايات في بداية بحثي قليلة جدا وزادت عبر تطور مراحل البحث، وأذكر أن الأعمال التي اعتمدت عليها في كتابة خطة الدراسة الأولية كانت رواية  “حرية دوت كوم” لأشرف نصر، “وفي كل أسبوع يوم جمعة” لإبراهيم عبد المجيد، و”إيموز” لإسلام مصباح، و”فتاة الحلوى” لمحمد توفيق. 

SONY DSC

القارئ الألكتروني

هل كانت هناك سمات مشتركة بينها من حيث الموضوع؟ التقنية؟ البنية؟

نعم كانت هناك سمات كثيرة مشتركة تحدثنا عنها بالتفصيل في دراستنا،  من حيث الموضوع الذي أصبح افتراضيا لشخصيات افتراضية بتجارب جديدة على المستوى النفسي والاجتماعي خاصة، إضافة إلى جماعية الموضوع في كثير منها، وعلى مستوى البنية ظهرت اللغة والمصطلحات الرقمية، بصورة واضحة في الروايات، مع زيادة المستوى الشعري الغنائي لها،علاوة على تغييرها للمفاهيم التقليدية للأساليب السردية في الرواية، فقد ظهر السرد الشاتي، وسرد التدوين، وسرد الإيميل بلغته الجديدة، وأصبحنا أمام أساليب تقديم وبناء جديدة خاصة بالشخصيات لم نألفها في الرواية التقليدية، مع تعدد الأبنية المكانية والزمانية، وظهور النص الخفي والمرئي في الوقت نفسه عن طريق الاعتماد على لغة الأقنعة والاختفاء التي يوفرها الإنترنت، وكأننا أمام لعبة سردية. 

 كان ممكنا أن يقف بحثك عند الرواية الرقمية لكن ظهرت الرواية التفاعلية اللاورقية المنشورة على المواقع الإلكترونية…كيف اكتشفت هذا النوع من الروايات مع أنه لم يكن معروفا؟وهل كان هناك حرج من ضمه إلى موضوع الرسالة مع أنه لا يزال غير معترف به من قبل كثير من الأكاديمين و النقاد؟ كيف واجهت ذلك أثناء المناقشة…أقصد أن المناقش كان لابد و أن يرجع لموقع لقراءة الرواية و هذا غير معتاد فى الأوساط الأكاديمية الحالية.

أولا يجب الإشارة إلى أنه ليس كل ما يكتب في الإنترنت يدخل في مجال السرد التفاعلي، فهناك روايات منقولة إلى الإنترنت لكن أصلها كان  ورقيا، وقد أطلق عليها بعض النقاد الرقمية السلبية، أما الروايات الرقمية التفاعلية فهي الروايات التي توظف تقنية النص المتفرع، أو الهيبرتكست أو الهيبرلينك. ثانيا عرفتُ هذه الأعمال في البداية من خلال الإشارات التي تضمنتها بعض الدراسات التي تناولت بعضها، كما ذكرت سابقا، وبالفعل مثل هذه الروايات تحتاج إلى صبر وبحث وسرعة في الاتصال و في التعامل معها، مما يعني وجود صعوبة أخرى قد واجهتني ولا تزال سواء مع الأكاديميين أو القراء العاديين الذين يرفضون كل ما ينتجه الإنترنت. 

ما هى أهم الروايات التفاعلية؟ ما هى الاختلافات و التشابهات بينها و بين نظيراتها االرقمية الورقية؟

هذا سؤال لا يمكن الإجابة عنه في موضع كهذا، وقد عشنا مع هذه الأعمال زمنا طويلا في دراستنا،  وكما قلت أبرز هذه الأعمال تمثلت في ” قصة ربيع مخيفة” للمصري أحمد خالد توفيق و”صقيع” للأردني محمد سناجلة، و”على بُعْد مليمتر واحد فقط” للمغربي عبد الواحد أستيتو، و”الكنبة الحمرا” للسينارست بلال حسني، و”على قد لحافك” للمدونين سولو وبيانست وجيفارا. ما جعل هذه الروايات رقمية هو اعتمادها على الوسيط الرقمي الحاسوبى المتصل بالإنترنت في نقل التجربة، ومحاولة الإفادة من معطياته مثل توظيف الهيبرلينك والصورة والصوت والفيديوكليب واللون، وغيرها من الأشياء التي لا يمكن توظيفها في الوسيط الورقي، أما عن أبرز عناصر التشابة فتمثلت في الاعتماد على الكلمة السردية، والحبكة المتماسكة  في كثير منها، وهذا شيء طبيعي؛ لأن مثل هذه الأعمال هي البذرة الأولى في هذا المجال. 

بعد نيلك لدرجة الدكتوراه على هذا البحث فى العام الماضى، ما هى ردود الفعل عليه أكاديميا وإعلاميا؟

حقيقة البحث حاليا لم يخرج من حيز الجامعة، لكن كثيرون ممن كنت أتحدث معهم حول الفكرة قد أعجبوا بها، وقد تكررت إشارات أستاذي الفاضل أ.د عبد الرحيم الكردي؛ أستاذ السرديات بجامعة قناة السويس، كثيرا حول أن هذه الدراسة جديدة وستأخذ مكانتها قريبا بعد أن ينتشر هذا التيار بصورة كبيرة في مجتمعنا، أما إعلاميا، فاقتصرت الإشارت على كتابة المقالات البسيطة بخاصة على الإنترنت، مثل مقال الدكتور السيد نجم حول ركائز النقد الرقمي في درساتنا. 

منذ بداية الألفية ظهر هذا التيار بقوة فى صور روايات رقمية و تفاعلية إلا أننى أرى أنه انحسر بعض الشىء فى السنوات الأخيرة….ما رأيك؟

نعم، أتفق معك ولعل السبب في ذلك  يرجع إلى أن إبداع هذا النوع من الروايات يحتاج إلى صبر ورؤية واضحة من قبل المبدعين، حتى أن بعضهم قد نالته  يد النقد بالتجريح، مثل ما حدث مع محمد سناجلة في بداية تجربته، لكن أعتقد أن هناك تطورا – بعض الشيء- حاليا في كتابها، خاصة بعد تسريد مواقع التواصل الإجتماعي. 

و هذا ما يقودنا لسؤال أهم: فهل سيصبح هذا التيار مستقلا كروايات الرعب والخيال العلمى والغرائبيات؟ أم أنه سيندرج مع مرور الوقت تحت تيار الرواية التقليدية؟

هذا ما حاولت الوصول إليه في دراستي المعنونة بالواقعية الافتراضية في الرواية العربية، والتي كان من بين نتائجها أن مجمل الاعمال التي تناولتها الظاهرة في صورتها الورقية والرقمية يمكن أن يشكل حلقة كبيرة في سلسة تطور الرواية العربية، ويمكن عدُّها اتجاها من اتجاهات الرواية الجديدة التي اعتمدت على التجريب، لكنه هذه المرة كان تجريبا افتراضيا من نوع خاص، وأن هذا التيار سرعان ما سيتطور مع تطور علاقتنا بالإنترنت، بل إن هذه الاعمال الرقمية ستصبح مع مرور الزمن  تيارا تقليديا بالنسبة للمجالات الأخرى التي ستظهر مع تطور تقنية الأنترنت.

Advertisements

Posted on 9 سبتمبر, 2016, in Sin categoría, المقابلات and tagged , , , , , , , , , . Bookmark the permalink. أضف تعليق.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: